أحمد زكي صفوت
470
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
يقول اللّه عزّ وجل : « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ » سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون ، وشربوا من أفضل ما يشربون ، ولبسوا من أفضل ما يلبسون ، وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، أصابوا لذة أهل الدنيا مع أنهم غدا من جيران اللّه عزّ وجل ، يتمنّون عليه لا يردّ لهم دعوة ، ولا ينقص لهم لذّة ، أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل ؟ واعلموا عباد اللّه أنكم إذا اتقيتم ربكم ، وحفظتم نبيّكم في أهل بيته ، فقد عبدتموه بأفضل ما عبد ، وذكرتموه بأفضل ما ذكر ، وشكرتموه بأفضل ما شكر ، وأخذتم بأفضل الصبر ، وجاهدتم بأفضل الجهاد ، وإن كان غيركم أطول صلاة منكم ، وأكثركم صياما ، إذ كنتم أتقى للّه ، وأنصح لأولياء اللّه من آل محمد صلى اللّه عليه وآله وأخشع ، واحذروا عباد اللّه الموت ونزوله ، وخذوا له عدّته ، فإنه يدخل بأمر عظيم : خير لا يكون معه شرّ أبدا ، أو شر لا يكون معه خير أبدا ، وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أىّ المنزلتين يصير : إلى الجنة أم إلى النار ؟ أعدوّ هو للّه أم ولىّ له ؟ فإن كان وليّا فتحت له أبواب الجنة ، وشرع له طريقها ، ونظر إلى ما أعدّ اللّه عز وجل لأوليائه فيها ، وفرّغ من كل شغل ، ووضع عنه كل ثقل « 1 » ، وإن كان عدوا للّه فتحت له أبواب النار ، وسهّل له طريقها ، ونظر إلى ما أعدّ اللّه فيها لأهلها ، واستقبل كل مكروه ، وفارق كل سرور ، قال اللّه تعالى : « الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ » .
--> ( 1 ) الثقل : الحمل الثقيل .